** أنا كفيف .......... ولكني لست بعاجز!!!!**
حين اخترت موضوعي عن الكفيفين بصريا في مدرسة هيلين كيلر ، شعرت بصعوبة الأمر خاصة أنني لا أحتمل بأن أرى أطفالا لا تتجاوز اعمارهم الحادية عشرة ، لا يتمتعون بحياتهم كباقي الأطفال في العالم ، أو أن بعض أفراد المجتمع يهمشون مواهبهم وقدراتهم وذكائهم فقط بسبب أنهم " عميان."
فمن بين الصمت والكتمان ، وبين الوحدة والغربة يقف الطفل الكفيف ولا يجد من يمد له يد المساعدة او حتى قليلا من الدعم ، في مجتمع ينظرون اليه بنظرة العاجز والدخيل واللاجدوى منه ، تلك هي صرخة الألم التي خرجت من ملايين المبصرين وصرخات اخترقت قلوب الكفيفين في مجتمع لا يعرف معنى الرحمة فأدمت في القلب الحزن والخوف.
حين دخلت مدرسة هيلين كيار الواقعة في بيت –حنينا/ القدس أدهشني جمال الطبيعة فيها من أشجار وازهار من مختلف الألوان ، واحواض مائية تنساب منها المياه كلون السماء الصافي ، هذا بالاضافة الى الملاعب والساحات والحيطان المغطاة بالرسومات ، خُِيلَ الي لبرهة من الزمن أنني دخلت جنة من الجنان يملأؤها الحب والحنان والأمان ، استقبلتني الاخصائية الاجتماعية (عدلة الشلبي) الذي أخذت تقول لي : أن العمل مع الكفيفين ليس بالعمل السهل وأن هذا العمل يحتاج الى صبر ورباطة جأش لا حدود لها اضافة الى ضرورة وجود الخبرة في التعامل معهم فقليلا من الناس يدركون كيفية معاملة الكفيف ولا يدرون أنه له مشاعر جياشة أكثر من أي انسان آخر .فالعمل مع الكفيفين يحتاج الى الشمولية من كل النواحي خاصة من النواحي النفسية والاجتماعية إن كان مع الكفيف نفسه أو مع الأهل فهناك تواصل دائم مع الأهل.
وهذا وأضافت " الشلبي": أنه لديهم بالمدرسة مجموعة من الأطباء المتخصصين كالدكتور النفسي ، ومتخصص في العلاج الطبيعي ، ومتخصص في العلاج الوظيفي ، اضافة الى اخصائية نطق ومدرسة تأهيل بصري.وهناك الكثير من المشكلات التي يواجهونها
((فلكل اعاقة يصاحبها صعوبات تعلم)). ولكن المشكلة الأكبر تكمن فيه انه لا يوجد دعم مادي أو حتى معنوي من قبل أي مؤسسة داخل فلسطين ، فنحن نحتاج الى وسائل متعددة ومتطورة لتعليم كل طفل ، فنحن نعلم الأطفال المنهاج الفلسطيني كباقي المدارس الا ان الاختلاف في أن الأحرف يجب أن تكون بارزة حتى يستطيع الطفل قرأتها وهذا وأننا نعمل على شراء الكتب من ميزانيتنا الخاصة فلكل طفل 12 كتاب وكل كتاب 500 شيقل ونحن عندنا 10 اطفال في القسم الداخلي و30 طفل من القسم الخارجي اي يكلفنا حوالي 6000شيقل تكاليف الكتب لطفل واحد.
توقفت السيدة عدله عن الحديث وأخذت تبحت لي عن منشورات للمدرسة الا انه لسوء حظي لم تجد أي واحد وقالت لي : اعتذر منك لم أجد أي من المنشورات يمكن" خلصوا" ولكن سأعطيك في وقت لاحق ، ابتسمت قائلة : لا، مش مشكلة .
ماذا بخصوص النشاطات ؟ قالت: بخصوص النشاطات ان نشاطات المدرسة كأي مدرسة عادية عندنا مخيمات ورحلات ونشاطات داخلية وخارجية اضافة الى المهرجانات الرياضية كالمشي على العراضة والجمباز ، اضافة الى المسابقات الفنية والأدبية مثل القصة والشعر.
فيما كنا نتحاور جاءها اتصال هاتفي ضروري فنادت المساعدة لها" سهيلة" لارى اقسام المدرسة ولكن من سوء حظي الأطفال لم يتواجدوا في اليوم الذي ذهبت فيه الى المدرسة ،وذلك لان المدرسة تعمل تنسيق مع الأهل لاصطحاب أبنائهم الى بيوتهم يومين بالأسبوع ، وفيما نحن نتجول اعجبني نظافة المكان وترتيبه وتناسقه أحسست أن هذا المكان هو البيت الثاني للاطفال فقد كان هناك غرفة للجلوس وفيها تلفاز وغرف للكمبيوتر وغرفة للطعام وغرف للنوم وفوق كل سرير صورة كل طفل من الأطفال ، شكرت السيدة سهيلة على اهتمامهم بالأطفال وعايتهم لهم.
بعد قليل أعادتني الى مكتب الاخصائية الاجتماعية فسألتني كيف وجدت المدرسة فأجبتها انها رائعة كأنها بيت وليست بمدرسة فقالت : نحن نعمل على أن يجد الطفل الراحة والسعادة لتنمية مواهبه والتفريغ عما في نفسه من مشاعر ونحن بالمدرسة نعمل على مساعدة الطفل بالعيش باستقلالية وعلى أنه ليس أقل من الاطفال الأخرين بل العكس ان اعاقته لن تقف عائق امام مسيرة حياته ان كانت العلمية او العملية وانه يستطيع أن يتكلف بواجبات ومهام كأي طفل عادي في العالم.
هل هناك حالات واجهتم صعوبات معها؟ أوضحت انهم واجهوا حالتين صعبتين جدا واهمها حالة ما زالوا يواجهون معها المتاعب وهي: (( ان هناك طفل حين ولد كان كباقي الأطفال يرى كل شيء ولم يكن عنده مشاكل في عينيه لا قصر او طول في النظر ، ولكن حين بلغ الرابعة عشرة من عمره (( أي في سن المراهقة )) تعرض لحادث سير ودخل زجاج السيارة في عينينه مما مزق القرنية وكانت النتيجة ان خسر عينيه وللابد . توقفت قليلا بعد أن رأتني قد تأثرت كثيرا بالقصة وتابعت : ان الطفل لم يتقبل وضعه ابدا وكثيرا ما يتصرف بعدوانية تجاه الاخرين خاصة الذين في مثل عمره ، اضافة الى انه يفضل العزلة والانطواء فحاولنا كثيرا ان نساعده واقترحنا على أهله بأن نعمل على معالجته بالخارج الا ان المحاولات باءت بالفشل.))
وقبل أن استودع الاخصائية واشكرها طلبت منها لقاء آخر مع الاطفال فأذنت لي ان اعود في اليوم التالي حينها يكونوا الاطفال قد عادوا الى المدرسة.
كم كنت متشوقة بأن ارى الاطفال رغم خوفي من عدم تقبلهم لي ، او أن يتحسسوا من كلامي من غير قصد ، الا انني قد وجدت بأن افتح الانترنت وابحث عن كيفية التعامل مع الكفيف فوجدت بعض الارشادات التي ساعدتني كثيرا ، وايضا اتصلت ب(عدلة الشلبي ) وطلبت منها أن ترشدني في كيفية التعامل معهم خاصة انها هي التي تعرفهم اكثر من غيرها.
ذهبت الى المدرسة وعرفتني المساعدة (( سهيلة)) على الاطفال وعرفتهم بي ، نظرت الى وجوههم البريئة واالطفولية اخذت اتحدث الى تلك واضحك مع ذاك واستفسر من ذاك ، اضحكتهم وأضحكوني ، وسردوا لي حكاياتهم الطفولية وعلى وجوههم ارتسام بسمة محت من ذاكرتي آلام كانت بداخلي من مشاق الحياة ومصاعبها ، اخذوا يطلبون مني ان اسرد لهم حكايات والعب معهم بألعاب أعادتني الى أيام الطفولة ، وجدتهم مثلي عندما كنت صغيرة لم أرى فرقا أبدا فإنهم يضحكون ويلعبون ويتنازعون ، اخذوني الى الملعب لنلعب معا لعبة السباق والغميضة ، تجمعوا حولي وكل واحد منهم يريدني أن أركض واضحك معه ، وكل منهم يناديني ((مس ديما،، مس ديما)) ، مرت ساعتين من شقاوة الطفولة البريئة من اللعب والمزاح والضحك وسرد القصص التي لاتنتهي كأنها دقائق معدودات ، رغبت ان أبقى اكثر ، اردت أن أبقى معهم الا انني لم استطع لانني تذكرت انني جئت من أجل مهمة محددة ولكني وجدت انني اذا لعبت معهم واعتادوا علي سوف يعبرون لي عن مشاعرهم بسرعة ويسردون لي حكاياتهم الخاصة بكل سهولة... وهذا ما حصل....
" عبير محي الدين" 12 عاما من مدينة نابلس ، أصيبت بعمى جزئي نتيجة للوراثة، اعتادت على الامر بسرعة ولم تشعر بأنها اقل من الاطفال الاخرين ، بل العكس من ذلك ، وقالت عبير: "" انا لا أشعر بأنني أقل من الاطفال الاخرين ، فأنا عندي أهل يدعمونني ويحبوني ، وأتعلم بالمدرسة كأي شخص آخر وعندي هوايات كثيرة ومدرستي تدعمني كثيرا بها ، وسوف أكبر وأتعلم وأصبح مهندسة ديكور ، وانا جئت الى هنا كي أتأسس جيدا وليس لانني كفيفة ، وها أنا سوف أتخرج من المدرسة واذهب الى مدرسة أخرى ببلدتي."
"تعلمت من المدرسة كيف أكون مسوؤلة عن نفسي وأن لا أشعر بالخوف أبدا." تضيف عبير
" محمد طالب عودة " 11 سنة من مدينة نابلس ، أصيب بعمى كلي منذ الولادة يقول محمد: "" واجهت صعوبة في بداية الأمر على تقبل وضعي ، الى انني اكتشفت أنه لا جدوى من ايجاد حل وأن علي أن أتقبل وضعي كما هو . انا اعتمد على الاحساس وأن الاحساس يمنعني عن الوقوع ، لا أتضايق بأنني لا ارى بل العكس أشعر بأنني مثل الناس البقية رغم الفرق أنهم يروا بأعينهم وأنا لا ارى << فرق بسيط جدا ."
"ارغب بـأن أصبح مغني لاني أحب الغناء كثيرا وصوتي جميل جدا."أضاف محمد
"نور علي أحمد" 8 سنوات من مدينة الخليل ، أصيب بعمى جزئي منذ الولادة يقول نور :" احب البيت وأحب المدرسة جدا، تعلمت منهم كثير من الاشياء ، وعندي هوايات كثيرة مثل السباحة ارغب بالمستقبل أن أكون حارث فأنا احب الحراثة كثيرا ولكني لا أحب ان اتعامل مع الناس الذين لا اعرفهم لانهم يضربونني وينادوني ب " يا أعمى " وهذا يشعرني بالضيق والألم فأنا كفيف ... ولكني لست بعاجز !!!
واخيرا : ان مدرسة هيلين كيلر تعمل على العناية الكبيرة بالاطفال ، وقد عملت على تنمية الطفل من كافة النواحي النفسية والاجتماعية والتعليمية وقد عملت على التواصل الدائم مع الاهل ولذلك حتى الطفل يشعر بالامان في بيته او في المدرسة ، وهذا ان المدرسة والعاملين فيها يعاملون الاطفال كالاطفال الاخرين في أي مدرسة اخرى دون تمييز ، وقد هيأوا لهم كافة السبل للتعلم والراحة والعيش بآمان ، ولم تحرمهم من أي شيء سواء من النشاطات او الرحلات او اللعب . اما بخصوص الاطفال فإنهم تكمن في قلوبهم المحبة الكبيرة لمدرستهم و لمعلميهم ، وذلك لانهم يعاملوهم كما يريدون وليس كاظهار للشفقة والعطف .
من وجهة نظري ان مدرسة هيلين كيلر انجزت انجاز كبير لرعايا الاطفال رغم عدم وجود الدعم ان كان مادي او معنوي ، او حتى دعم المجتمع لهم فهم ينظرون الى الاطفال كانهم دون مستوى عن غيرهم من الاطفال ، وقد وجدت ان الاطفال يرغبون بالعيش كباقي الاطفال وان اعاقتهم لم تمنعهم من اي شيء سواء من اللعب او من الدراسة او من العيش بسعادة ومشاركة غيرهم من الافراح والاحزان، فلذلك يجب عدم اظهار الشفقة لهم فرغم اعاقتهم الا انهم ينظرون الى الحياة من قلوبهم النقية الصافية التي تخلو من حقد المبصرين وقلوبهم السوداء ، وان الاحساس المرهف الذين يمتلكونه اضافة الى ذكائهم ومواهبهم ، جعلتني أنظر الى نفسي والى مجتمع المتبصرين نظرة شفقة وحسرة .

